ابن الزيات

143

التشوف إلى رجال التصوف

ومنهم : 53 - أبو يحيى أبو بكر بن فاخر العبدري كان ابتداء أمره أنه كان من أهل البطالات والراحات ، ثم نزعت به إلى اللّه تعالى همة عالية . فتجرد من الدنيا وتخلى عنها . ثم ذهب من تادلا إلى مدينة سلا . فمات بها عام تسعة وخمسين وخمسمائة . حدثني غير واحد أنه أصبح يوما بتادلا وهو يبكى وينتحب ويلطم خديه متندما على ما سلف من فرطاته وسقطاته . فسمع به أهل داى . فجاءوه وفيهم الخطيب أبو الربيع سليمان بن يوسف بن ويحلان وغيره من أهل العلم والفضل . فقالوا له : ما لك يا أبا يحيي لعلك حمقت ؟ فقال لهم : وهل أنا منذ كنت إلا أحمق ؟ فقد فعلت العظائم فكيف الحيلة في الخلاص ؟ فقال له أبو الربيع : اخرج عن المظالم والغصوب . فتجرد من ثيابه وستره أبو الربيع بثوب طرحه عليه وخرج من جميع ما كان عنده ، وأمر أهله بالخروج عما كان بأيديهم وتصدق بكل ما لم يعلم له مالكا وأمر أهله وأولاده وبناته بالتجرد ، ثم نظر إلى سلك بقي في عنق ابنة له صغيرة فقام حتى أخذه من عنقها . وسمعت أبي رحمه اللّه يقول : سمعت ابن فاخر يقول : يا أهل داى ، تصدقوا على فإن كل ما كان عندي حرام وقد خرجت عنه . فواساه الناس . فأقام بداى نحوا من عشرة أيام ثم مرّ إلى مدينة سلا على قدميه مع ابن له كبير يخدمه ، فأقام بسلا في رابطة على ساحل البحر ستة أشهر فمات بها رحمه اللّه [ الطويل ] : أسير الخطايا عند بابك واقف * على وجل ممّا به أنت عارف يخاف ذنوبا لم يغب عنك عيبها * ويرجوك فيها فهو راج وخائف ومن ذّا الّذى يرجى سواك ويتّقى * وما لك في فصل القضاء مخالف فيا سيّدى لا تخزني في صحيفتي * إذا نشرت يوم الحساب الصّحائف